أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
91
العقد الفريد
أوصيك بتقوى اللّه ؛ فإنّ للّه عملا بالليل لا يقبله بالنهار ، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل ؛ وإنه لا يقبل نافلة « 1 » حتى تؤدّى الفرائض . وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحق وثقله عليهم ؛ وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا . وإنما خفت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفّته عليهم ؛ وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا . وإن اللّه ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم ، وتجاوز عن سيئاتهم ، فإذا سمعت بهم قلت : إني أخاف ألّا أكون من هؤلاء . وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم ، وأمسك عن حسناتهم ؛ فإذا سمعت بهم قلت : أنا خير من هؤلاء وذكر آية الرحمة مع آية العذاب : ليكون العبد راغبا راهبا ، لا يتمنى على اللّه غير الحق . فإذا حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحبّ إليك من الموت ، وهو آتيك ؛ وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أكره إليك من الموت ، ولن تعجزه . الحسن وابن الأهتم : ودخل الحسن بن أبي الحسن على عبد اللّه بن الأهتم يعوده في مرضه ؛ فرآه يصوّب بصره في صندوق في بيته ويصعّده ، ثم قال : أبا سعيد ، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة ولم أصل منها رحما ؟ قال : ثكلتك أمك ! ولمن كنت تجمعها ؟ قال : لروعة الزمان ؛ وجفوة السلطان ؛ ومكاثرة العشيرة . قال : ثم مات ، فشهده الحسن . فلما فرغ من دفنه قال : انظروا إلى هذا المسكين ! أتاه شيطانه فحذّره روعة زمانه ، وجفوة سلطانه ، ومكاثرة عشيرته ، عما رزقه اللّه إياه وغمره فيه ؛ انظروا كيف خرج منها مسلوبا محزونا ، ثم التفت إلى الوارث فقال : أيها الوارث ، لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس ، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك وبالا . أتاك عفوا صفوا ، ممن كان له جموعا منوعا ؛ من باطل جمعه ، ومن حق منعه ؛ قطع فيه لجج « 2 » البحار ، ومفاوز القفار ، لم تكدح فيه بيمين ، ولم يعرق لك فيه جبين . إن يوم
--> ( 1 ) النافلة : ما زاد على الفرض . ( 2 ) لجج البحار : معظم البحر وتردد أمواجه .